حركة حماس عبر التوافق على صيغة من 15 بندا لتخزين السلاح وتسليمه للجنة تكنوقراط فلسطينية بالتزامن مع الانسحاب الإسرائيلي- كان بمثابة اختبار حقيقي للنوايا الدولية والإسرائيلية. فعندما تُطرح أوراق القوة الكبرى كالأسرى والسلاح على الطاولة، وتتهاوى تباعا كل الذرائع الصهيونية المعلنة للحرب من إسقاط لحكم حماس وتجريدها من قدراتها العسكرية، كل ذلك كان من المتوقع أن يفتح الباب نحو التسوية. غير أن التعنت الصارخ لحكومة نتنياهو ورفضها للاتفاق يؤكدان انه لم يكن السلاح يوما سوى غطاء دعائي، والهدف الدائم هو إجهاض أي فرصة للانسحاب وتثبيت الاحتلال الاستيطاني في قطاع غزة.
لم تأتِ مرونة حماس من فراغ، بل جاءت نتاج مخاض قاسي وتغير موازين الصراع على الأرض. اذ مثّل ملف الأسرى الإسرائيليين رافعة الضغط الكبرى للحركة لدفع "إسرائيل" نحو التهدئة. وبمجرد استعادة إسرائيل لأسراها الأحياء وفق المرحلة الأولى من اتفاق أكتوبر 2025، اختلت كفة الميزان التفاوضي.
وواصلت آلة الحرب الإسرائيلية خروقاتها اليومية ومسلسل الاغتيالات بحق المدنيين (موقعة آلاف الضحايا) رغم اتفاقيات وقف النار، مما جعل حماس تسعى -عبر تقديم تنازلات هيكلية بتسليم الإدارة ووضع السلاح في عهدة لجنة وطنية مستقلة- لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الدمار الممنهج بحق حاضنتها الشعبية.
في سياق متصل، لا تقتصر الأطماع الإسرائيلية على قطاع غزة وحدها، بل تترافق مع تصعيد غير مسبوق في الضفة الغربية المحتلة، حيث تواصل حكومة الاحتلال وأذرعها الاستيطانية تنفيذ سياسة ممنهجة لتقويض أي فرصة لإقامة الدولة الفلسطينية. ويظهر ذلك جليا في إخطارات الهدم المتكررة للمدارس والمساكن والمزارع –كما جرى مؤخرا في مسافر يطا بالخليل– إلى جانب التوسع الاستيطاني الهادف إلى تهجير السكان قسرا، وسط تحذيرات تقارير حقوقية دولية من أن هذه الممارسات لا تعدو كونها "ضما زاحفا وغير معلن" يهدف إلى دفع السلطة الفلسطينية نحو الانهيار الكامل وتكريس السيطرة الإسرائيلية الأحادية على الأراضي الفلسطينية.
إن قراءة متعمقة في الأدبيات التأسيسية والعقائدية للصهيونية تعيننا على فهم أبعاد ما يحصل في الضفة وكذلك سبب رفض "إسرائيل" الانسحاب من غزة حتى بعد قبول حماس بنزع السلاح، وإنهاء حكمها.
ويتعلق ذلك بالأساس بطبيعة المشروع الإحلالي " Settler-Colonialism" فالدولة الصهيونية هي كيان استيطاني إحلالي يقوم على منطق السيطرة على المجال الأرضي وإلغاء الوجود العربي بالكامل أو تقليصه إلى أقصى حد.
وتتجاوز الحرب في عقيدة اليمين الإسرائيلي المتطرف حدود "رد الفعل الأمني" على أحداث السابع من أكتوبر، لتتحول إلى فرصة تاريخية لإحياء "المشروع الاستيطاني الكبير" في قطاع غزة، وإعادة تأسيس المستوطنات التي أخليت عام 2005، إلى جانب فرض مناطق عازلة شاسعة خالية من البشر والبنيان.
علاوة على ذلك، يدرك نتنياهو أن أي خطوة تُفسر على أنها "انسحاب" أو تسليم للقطاع لإدارة فلسطينية (تكنوقراط) ستشكل انتحارا سياسيا له أمام قاعدة ناخبيه اليمينية المتعلقة بشعارات التهجير والضم.
إن المتأمل في طبيعة هذه العقيدة العنصرية الإحلالية يدرك يقينا أن كل مسارات وأوهام التطبيع المجاني مع هكذا كيان لم تكن سوى سراب مخادع وخيانة أخلاقية وتاريخية لتضحيات الشعب الفلسطيني ودماء شهدائه الطاهرة. فالرهان على أن "إسرائيل" قد تقبل بالسلام أو التعايش مقابل اعتراف أو تنازلات هو رهان على من لا عهد له ولا اخلاق سياسية. إذ تثبت الوقائع يوما بعد يوم أن التطبيع في ظل غياب العدالة المطلقة وحق تقرير المصير للفلسطينيين لم يكن سوى غطاء ومكافأة مجانية لآلة الاحتلال لتوسيع مشروعه الاستيطاني وتهويد ما تبقى من الأرض في الضفة والقدس وغزة.
بالموازاة ، يتسق استمرار العدوان الإسرائيلي على لبنان، وتوغلاته المستمرة رغم مساعي التفاوض والقبول الرسمي اللبناني بالحلول الدبلوماسية، مع ذات المنطق التوسعي والأمني . اذ تسعى المؤسسة العسكرية للعدو الصهيوني إلى تدمير البنى التحتية الاستراتيجية لجبهات الإسناد (وفي مقدمتها حزب الله في جنوب لبنان) لضمان تفوق مطلق وحرية حركة جوية وبرية دائمة.
وتستغل تل أبيب حالة التواطؤ والتقاعس الأممي وعجز مجلس الأمن الدولي عن ردع خروقاتها، لتنفيذ أجندتها الإقليمية في إعادة هندسة الشرق الأوسط وفق موازين القوة الصهيونية البحتة.
وفي خضم هذا المشهد القاتم، برز تحول لافت أقرّ به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب علنا بشأن تراجع وتيرة وقوة جماعات الضغط الصهيونية الكبرى "أيباك" وغيرها داخل مؤسسات القرار الأمريكي، لا سيما في الكونغرس. وتصاعد الأصوات الديمقراطية والشعبية المعارضة للسياسات الإسرائيلية المطلقة. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو كيف يمكن الاستفادة من هذا التراجع لتقوية الموقف الفلسطيني؟
الجواب يكمن في الاستثمار الحقوقي والإعلامي في تغيير المزاج الشعبي والأكاديمي في الولايات المتحدة وأوروبا، ونزع الشرعية الأخلاقية عن دولة الاحتلال عبر تثبيت وصفها كـ"دولة فصل وعنصرية واحتلال إحلالي".
وكذلك استثمار الانقسام الحزبي الأمريكي والضغط الدبلوماسي الفلسطيني والعربي المتكاتف لدفع الدوائر السياسية الأمريكية المعارضة لسياسات حكومة اليمين المتطرف نحو تبني مواقف أكثر صلابة ترفض التمويل المفتوح للعدوان وتدعم حق تقرير المصير الفلسطيني.
ولعل أهم نقطة تتعلق بالأساس بتوحيد الصف الداخلي الفلسطيني، وبذلك فقط يتم الخروج من أسر الانقسام الجغرافي والسياسي، وبناء استراتيجية وطنية كفاحية موحدة تستثمر أي تراجع في الغطاء الدبلوماسي الدولي للاحتلال لفرض الرواية الفلسطينية في المحافل الدولية وقرارات محكمة العدل والجنايات الدولية.